صدى السمارة/السمارة
في وقت لم تحسم فيه صناديق اقتراع شتنبر بعد ترتيب الأحزاب السياسية، فجّر تسجيل صوتي متداول منسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار ورئيس مجلس النواب، جدلاً سياسياً واسعاً، بعدما تحدث عن شكل الحكومة المقبلة، ودافع عن استمرار نادية فتاح العلوي على رأس وزارة الاقتصاد والمالية، في مقابل إعلان رفض صريح لاستوزار فوزي لقجع.
وجاءت العبارة الأكثر إثارة في التسجيل حين قال الطالبي العلمي بشأن وزارة الاقتصاد والمالية: «والله لا شافها»، في إشارة إلى فوزي لقجع، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة.
وتطرح هذه العبارة، في سياقها السياسي، سؤالاً حول حدود صلاحيات الأحزاب في التفاوض بشأن تشكيل الحكومة، مقابل الاختصاصات الدستورية المتعلقة بتعيين رئيس الحكومة وأعضاء الحكومة.
فالفصل 47 من الدستور ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، كما يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها.
وبالتالي، يمكن للأحزاب خلال مشاورات تشكيل الأغلبية أن تفاوض بشأن الحقائب الوزارية وأن تدافع عن أسماء أو ترفض أخرى، غير أن تعيين أعضاء الحكومة يظل اختصاصاً ملكياً، بناء على اقتراح رئيس الحكومة.
ومن هذه الزاوية، فإن وصف الطالبي العلمي بأنه «ينتحل صفة الملك» يظل توصيفاً سياسياً لطريقة حديثه، وليس حكماً قضائياً أو اتهاماً جنائياً. فاللهجة التي ظهر بها في التسجيل توحي بصدور قرار نهائي بشأن مستقبل فوزي لقجع الوزاري، رغم أن الانتخابات لم تُجرَ بعد، ورئيس الحكومة المقبل لم يُعيّن، والمشاورات الحكومية لم تبدأ.
وكان بإمكان رئيس مجلس النواب أن يعبر عن موقف حزبي واضح، كأن يقول إن التجمع الوطني للأحرار سيرفض اقتراح لقجع لتولي وزارة الاقتصاد والمالية، أو إنه سيشترط استمرار نادية فتاح العلوي في الحقيبة. غير أن صيغة القسم والجزم التي استعملها جعلت التصريح يبدو أقرب إلى إصدار «فيتو» سياسي مسبق.
وتزداد حساسية التصريح بالنظر إلى الموقع المؤسساتي للطالبي العلمي، باعتباره رئيساً لمجلس النواب، وهو ما يجعل تصريحاته محط اهتمام خاص، خصوصاً عندما تتعلق بتدبير المرحلة الحكومية المقبلة وحدود الاختصاصات الدستورية.
اتهامات بـ«الترهيب والترغيب»
ولم يتوقف التسجيل عند ملف الاستوزار، إذ تحدث الطالبي العلمي أيضاً عن ما وصفه بـ«الترهيب والترغيب» و«التخليع» في سياق حديثه عن استقطاب البرلمانيين والمرشحين، منتقداً ما اعتبره ضغوطاً تستهدف مرشحي ومنتخبي حزب التجمع الوطني للأحرار.
غير أن التفريغ المتداول لا يتضمن، بشكل صريح ومباشر، اتهاماً شخصياً لفوزي لقجع بممارسة «الترهيب» أو «الترغيب».
فالعبارات جاءت في سياق عام حول أساليب الاستقطاب التي ينسبها الطالبي العلمي إلى خصوم حزبه، بينما استهدف لقجع بشكل واضح في الجزء المتعلق بوزارة الاقتصاد والمالية والاستوزار.
وعليه، فإن الربط بين الاتهامين يظل قراءة سياسية للسياق العام للتسجيل، ولا يمكن تحويله إلى اتهام شخصي ثابت دون وجود تصريحات صريحة أو وقائع وأدلة محددة.
صراع على وزارة الاقتصاد والمالية
ويكشف اختيار وزارة الاقتصاد والمالية تحديداً عن جانب مهم من طبيعة الصراع السياسي الدائر.
فالوزارة تعد من أبرز مراكز القرار داخل الحكومة، بالنظر إلى ارتباطها بالميزانية والمالية العمومية والسياسات الاقتصادية الكبرى. ولذلك، فإن الصراع حول اسم من سيتولى حقيبتها لا يمكن فصله عن التنافس حول النفوذ داخل الحكومة المقبلة.
وفي هذا السياق، ظهر دفاع الطالبي العلمي عن استمرار نادية فتاح العلوي في الوزارة، مقابل رفض وصول فوزي لقجع إليها، وكأنه يعكس تمسكاً بإبقاء الحقيبة ضمن نفوذ حزب التجمع الوطني للأحرار، في مواجهة شخصية بارزة داخل حزب الأصالة والمعاصرة.
الترحال السياسي وكرة القدم
واستحضر الطالبي العلمي في حديثه ظاهرة الترحال السياسي، مشيراً إلى تسجيل 167 حالة داخل مجلس النواب سنة 2007، قبل أن ينتقد تحويل الحياة السياسية إلى ما يشبه سوق انتقالات اللاعبين في كرة القدم.
واستعان في هذا السياق بأسماء نجوم الكرة المغربية، من قبيل أشرف حكيمي وياسين بونو، في محاولة لإبراز المفارقة بين الانتقالات الرياضية والاستقطاب السياسي.
ومن خلال هذا الخطاب، وجه الطالبي العلمي رسالة واضحة إلى قيادة حزبه مفادها أن السكوت عن استقطاب المرشحين والمنتخبين قد يظهر التجمع الوطني للأحرار بمظهر الحزب الضعيف، حتى لو أدى الدفاع عن استقلال القرار الحزبي إلى خسارة بعض المقاعد أو حتى المرتبة الأولى.
هاجس خسارة الصدارة
كما حمل حديث الطالبي العلمي عن احتمال حلول التجمع الوطني للأحرار في المرتبة الثانية دلالة سياسية لافتة، إذ يكشف أن سيناريو فقدان الصدارة حاضر ضمن حسابات قيادة الحزب، قبل أسابيع من الانتخابات التشريعية.
ويبدو أن النقاش لم يعد مقتصراً على نتائج الاقتراع، بل امتد إلى ما بعد الانتخابات: من سيتصدر؟ ومن سيشكل الحكومة؟ وما هي شروط المشاركة؟ ومن سيحصل على الوزارات السيادية والاقتصادية؟ ومن يملك القدرة على فرض أسماء بعينها أو استبعاد أخرى؟
ومن هذه البوابة برز اسم فوزي لقجع باعتباره أحد الأسماء التي تثير حساسية خاصة داخل المشهد السياسي.
فلقجع يجمع بين موقعه داخل حزب الأصالة والمعاصرة، وحضوره القوي في تدبير قطاع كرة القدم، فضلاً عن ارتباط اسمه بالملفات المالية والاقتصادية، وهو ما يجعل احتمال توليه حقيبة اقتصادية وازنة موضوعاً سياسياً بامتياز.
التسجيل المسرب.. سلاح ذو حدين
تحول التسجيل المسرب من اجتماع حزبي مغلق إلى مادة سياسية مفتوحة أمام الرأي العام، إذ كشف جانباً من الحسابات الداخلية لحزب التجمع الوطني للأحرار بشأن الانتخابات المقبلة، والاستقطاب السياسي، وشروط المشاركة في الحكومة، ومستقبل وزارة الاقتصاد والمالية.
وفي الوقت نفسه، أظهر التسريب هشاشة التواصل الداخلي داخل أحد أكبر الأحزاب السياسية، بعدما انتقلت مداولات يفترض أنها داخلية إلى المجال العام في مرحلة حساسة تسبق الانتخابات.
ويبقى التناقض الأبرز في الخطاب هو أن الطالبي العلمي يدافع عن استقلال القرار الحزبي ويرفض تدخل الخصوم في اختيارات حزبه، لكنه في المقابل يعلن موقفاً حاسماً بشأن مستقبل قيادي في حزب منافس، ويحدد مسبقاً الوزارة التي لا ينبغي أن يصل إليها.
وفي انتظار ما ستكشفه الأيام المقبلة، تظل عبارة «والله لا شافها» أبرز ما خرج من التسجيل، لأنها حولت النقاش من مجرد تنافس حزبي حول الحقائب إلى مواجهة سياسية حول من يملك حق رسم حدود الحكومة المقبلة.
وبين صناديق الاقتراع التي لم تقل كلمتها بعد، ومشاورات تشكيل الأغلبية التي لم تبدأ، والاختصاصات الدستورية المتعلقة بتعيين أعضاء الحكومة، تحول التسجيل المسرب إلى وثيقة سياسية تكشف حجم الصراع المرتقب حول الحكومة المقبلة، وحول وزارة الاقتصاد والمالية تحديداً.
أما الاتهامات المتعلقة بـ«الترهيب والترغيب»، فتظل بحاجة إلى وقائع وأدلة واضحة حتى تنتقل من مجرد تصريحات سياسية داخل اجتماع حزبي إلى معطيات ثابتة يمكن بناء مواقف أو مسؤوليات عليها.
