صدى السمارة/الموساوي لمهابة
في سياق الجدل السياسي المتجدد، اختارت مايسة سلامة الناجي توجيه انتقادات حادة إلى القيادي الاستقلالي حمدي ولد الرشيد، مطالبة إياه بالرحيل عن المشهد السياسي، في خطاب اتسم بحدة واضحة في العبارات وارتفاع سقف المواجهة.
غير أن النقاش السياسي الجاد لا يُحسم برفع الصوت أو إطلاق الأحكام، وإنما بالوقائع والمعطيات والأرقام والوثائق. فحين تُطرح اتهامات من قبيل أن فاعلاً سياسياً «لم يقدم شيئاً» لساكنة الصحراء، فإن من حق الرأي العام أن يسأل عن الأدلة التي تستند إليها هذه الخلاصة، وعن المشاريع والبرامج والاختلالات التي يُراد الاحتجاج بها.
والسؤال هنا ليس دفاعاً عن شخص بعينه، بقدر ما هو دفاع عن مبدأ أساسي في النقاش العمومي: الادعاء السياسي الكبير يحتاج إلى حجة بحجمه.
فالعيون، باعتبارها إحدى أبرز حواضر الأقاليم الجنوبية، عرفت على مدى عقود تحولات عمرانية واقتصادية واجتماعية ومؤسساتية لا يمكن اختزالها في مقطع فيديو أو خطاب انتخابي عابر. ومن حق المواطنين أن يقيموا هذه الحصيلة، وأن يختلفوا حولها، وأن يطرحوا الأسئلة بشأن ما تحقق وما تعثر وما يزال ينتظر المعالجة.
لكن تقييم تجربة حمدي ولد الرشيد، إن أريد له أن يكون نقاشاً سياسياً حقيقياً، يفترض الانتقال من لغة التوصيفات الشخصية إلى لغة الملفات.
إذا كانت هناك مشاريع لم تنجز، فلتُذكر بالاسم. وإذا كانت هناك اختلالات، فلتُحدد طبيعتها ومكامنها. وإذا كانت هناك أرقام تثبت ضعف الحصيلة، فلتُعرض أمام الرأي العام. وإذا كانت هناك مسؤوليات سياسية أو تدبيرية، فلتُناقش بالوقائع لا بالانطباعات.
وفي المقابل، فإن الدفاع عن أي تجربة سياسية لا ينبغي أن يتحول بدوره إلى تقديس للأشخاص أو إنكار للنقائص. فالممارسة الديمقراطية السليمة تقوم على النقد والمساءلة، كما تقوم على الاعتراف بما تحقق وتحديد ما لم يتحقق.
أما الدعوة إلى الرحيل من المشهد السياسي، فهي في نهاية المطاف موقف سياسي مشروع، لكن الحكم الحاسم بشأن الاستمرار أو التغيير يظل بيد المواطنين، عبر المؤسسات والآليات الديمقراطية، وفي مقدمتها صناديق الاقتراع.
وسكان الأقاليم الجنوبية ليسوا جمهوراً ينتظر من يلقنه موقفه؛ بل هم أصحاب تجربة وذاكرة ومصلحة مباشرة في تقييم من يمثلهم ومن يدبر شؤونهم. وهم الأقدر على مقارنة الوعود بالحصيلة، والخطاب بالواقع، والصورة الإعلامية بما عاشوه على الأرض.
لذلك، فإن المواجهة السياسية الحقيقية لا تحتاج إلى تجريح أو عبارات قدحية، كما لا تحتاج إلى ردود انفعالية مضادة. ما تحتاجه هو نقاش مسؤول: مشروع في مواجهة مشروع، رقم في مواجهة رقم، وثيقة في مواجهة وثيقة، وحصيلة في مواجهة حصيلة.
وإذا كانت مايسة سلامة الناجي تريد فتح مواجهة سياسية مع حمدي ولد الرشيد، فإن الطريق الأكثر تأثيراً ليس في رفع سقف العبارات، وإنما في رفع مستوى النقاش نفسه.
فالسياسة لا تُقاس بعلو الصوت، وإنما بقوة الحجة. والخصم السياسي لا يُهزم بالتشهير، بل عندما توضع تجربته تحت مجهر المساءلة، وتُفكك حصيلته بالأرقام والمعطيات.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم موجهاً إلى الطرفين معاً: ماذا تحقق؟ ماذا لم يتحقق؟ ولماذا؟ وما الذي ينبغي فعله مستقبلاً؟
تلك هي الأسئلة التي تهم المواطن، وهي وحدها القادرة على تحويل السجال السياسي من معركة كلامية إلى نقاش عمومي جاد يخدم الصالح العام.
