صدى السمارة/السمارة
أصدرت محكمة النقض قراراً لافتاً كرّس مبدأ قانونياً مهماً في قضايا النسب، مفاده أن الأب الذي سبق له أن أقر رسمياً بأبوة طفل، لا يمكنه بعد سنوات التراجع عن هذا الإقرار والمطالبة بإجراء خبرة جينية (ADN) بهدف نفي النسب، حتى وإن ادعى لاحقاً أنه يعاني من العقم ولا يستطيع الإنجاب.
وتعود تفاصيل النازلة إلى دعوى تقدمت بها سيدة مطلقة أمام القضاء، طالبت من خلالها بالزيادة في النفقة المخصصة لابنها، من 250 إلى 600 درهم، بداعي ارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي مواجهة هذا الطلب، لم يكتف الأب برفض الزيادة في مبلغ النفقة، بل تقدم بطلب يرمي إلى نفي نسب الطفل إليه، مدعياً أنه اكتشف بعد مرور سنوات أنه عقيم ولا يمكنه الإنجاب، ملتمساً إجراء خبرة طبية لإثبات ذلك.
غير أن محكمة الاستئناف رفضت طلبه، وهو الموقف الذي أيدته محكمة النقض، بعدما تبين أن المعني بالأمر سبق له أن أقر رسمياً بنسب الطفل أمام العدول عند إبرام الطلاق سنة 1994، كما واصل أداء النفقة لفائدة ابنه لسنوات طويلة دون أن يثير أي اعتراض بشأن نسبه.
ويبرز هذا القرار أهمية الإقرار الرسمي بالنسب وآثاره القانونية، إذ لا يمكن، وفق ما خلصت إليه المحكمة في هذه النازلة، استعمال الخبرة الجينية كوسيلة للرجوع عن إقرار سابق استقر عليه الوضع القانوني والأسري للطفل لسنوات.
كما تعكس القضية خصوصية التعامل القضائي المغربي مع الخبرة الجينية في قضايا النسب، في ظل الضوابط التي تحكم إثبات النسب ونفيه وفق مدونة الأسرة.
وتثير النازلة كذلك مسألة حدود الاستناد إلى الخبرة الجينية في دعاوى النسب، خصوصاً أن اللجوء إليها يرتبط أساساً بحالات نفي النسب داخل إطار قانوني محدد، ولا تتحول تلقائياً إلى وسيلة لإثبات النسب في الحالات التي لا تتوافر فيها شروطه القانونية.
ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة بالنظر إلى أن قضايا النسب لا ترتبط فقط بالمعطيات الطبية والعلمية، وإنما تتداخل فيها اعتبارات قانونية وشرعية واجتماعية، بما يجعل استقرار النسب وحماية مصلحة الطفل من العناصر الأساسية التي تحضر في تقدير القضاء.
ويؤكد القرار، في جوهره، أن الإقرار الرسمي بالأبوة وما يترتب عنه من التزامات قانونية لا يمكن التعامل معه باعتباره موقفاً قابلاً للتراجع عنه بعد سنوات، خصوصاً عندما يكون الأب قد تعامل فعلياً مع الطفل باعتباره ابنه وأدى لفائدته النفقة دون منازعة في نسبه.
