Trono 27

الجفاف يهدد إمدادات مياه الشرب في فرنسا.. صهاريج متنقلة لإنقاذ البلدات المتضررة

0

صدى السمارة/السمارة

 

تواجه عدد من المناطق الفرنسية خلال صيف 2026 تداعيات متزايدة للجفاف وارتفاع درجات الحرارة، بعدما بدأت مصادر مياه الشرب في بعض البلدات تنضب، ما دفع السلطات إلى اللجوء إلى صهاريج نقل المياه لتأمين حاجيات السكان.

 

ومنذ بداية شهر غشت، تتوجه صهاريج ضخمة مرتين أسبوعياً إلى بلدة سانت ماري أو مين الواقعة شرق فرنسا، لنقل مياه الشرب من بلدة لييفر المجاورة. وتضم سانت ماري نحو 5 آلاف نسمة، وتعتمد في تزويدها بالماء الصالح للشرب على قرابة عشرين نبعا، غير أن أسابيع من قلة التساقطات وارتفاع درجات الحرارة أدت إلى تراجع صبيب هذه المصادر بشكل كبير.

 

وتتوفر بلدة لييفر، التي لا تبعد سوى بضعة كيلومترات، على شبكة مائية أكبر مرتبطة بسهل الألزاس، ما يسمح لها بتأمين احتياجاتها من المياه رغم ظروف الجفاف. وبسبب عدم وجود شبكة قوية تربط البلدتين، تحولت الصهاريج إلى ما يشبه خط أنابيب متنقلاً لنقل المياه.

 

عشرات الآلاف مهددون بنقص المياه

 

ولا تقتصر أزمة المياه على سانت ماري، إذ تشير المعطيات الحكومية الفرنسية إلى أن أكثر من 40 ألف شخص تأثروا، منتصف غشت، بانقطاع أو توقف إمدادات مياه الشرب المعتادة، فيما صنفت السلطات وضع إمدادات المياه لنحو 550 ألف شخص بأنه متأزم.

 

ورغم أن الجفاف طال مناطق واسعة من البلاد، مع فرض قيود على استعمال المياه في أكثر من ثلثي الأراضي الفرنسية، فإن الاعتماد على صهاريج نقل مياه الشرب يظل إجراءً متقطعاً، يرتبط أساساً بمدى توفر مصادر بديلة لدى كل بلدية.

 

وفي مقاطعة دوبس جنوب شرق فرنسا، يتم حالياً نقل مياه الشرب بواسطة الصهاريج إلى 18 بلدة، في مؤشر على اتساع الضغوط التي باتت تواجهها بعض شبكات التزود بالماء.

 

أزمة تتكرر منذ سنوات

 

ولا تعد هذه الظاهرة جديدة على فرنسا، إذ شهد صيف 2022، الذي وصف بأنه استثنائي من حيث الجفاف، اضطرار أكثر من 500 بلدة إلى الاعتماد مؤقتاً على صهاريج المياه أو المياه المعبأة لتأمين حاجيات السكان.

 

ومن بين البلدات التي تضررت آنذاك كوكورون، الواقعة في منطقة ماسيف سنترال، حيث أدى الجفاف إلى جفاف أحد أهم ينابيعها، رغم وجودها في منطقة مرتفعة وغنية نسبياً بالمياه.

 

غير أن أزمة كوكورون كشفت أيضاً عن جانب آخر من المشكلة، يتعلق بتهالك شبكات المياه. فقد أظهرت عمليات الفحص وجود تسربات كبيرة، أدى إصلاحها إلى خفض استهلاك البلدة بنحو 40 متراً مكعباً يومياً. كما تقرر إنشاء خط أنابيب جديد بطول ستة كيلومترات، بتكلفة تقدر بنحو مليون يورو، لتوفير مصدر إضافي للمياه وتعزيز قدرة البلدة على مواجهة فترات الجفاف.

 

شبكات مائية متهالكة تزيد الأزمة تعقيداً

 

وتشير المعطيات إلى أن مشكلة المياه في فرنسا لا ترتبط فقط بقلة الأمطار، وإنما أيضاً بقدم شبكات التوزيع وارتفاع حجم المياه التي تضيع قبل وصولها إلى المستهلكين.

 

فعلى المستوى الوطني، لا تصل إلى المستهلكين سوى نسبة محدودة من المياه المنقولة عبر بعض شبكات مياه الشرب الريفية، في وقت لا يتم فيه تجديد سوى نحو 0.6 بالمائة من أنابيب مياه الشرب سنوياً.

 

وأمام تزايد مخاطر الجفاف، أعلنت فرنسا عن مجموعة من الإجراءات والاستثمارات لتحديث بنيتها التحتية المائية. وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد جعل ملف المياه أولوية وطنية عقب موجة الجفاف التي شهدتها البلاد سنة 2022.

 

وتستهدف “خطة المياه” التي أطلقت سنة 2023 خفض استهلاك المياه في فرنسا بنسبة 10 بالمائة بحلول سنة 2030، إلى جانب تحديث شبكات الأنابيب وتقليص حجم المياه المهدرة.

 

ومنذ إطلاق الخطة، خصصت هيئات المياه الفرنسية نحو 1.4 مليار يورو لمشاريع مرتبطة بها، فيما تمكنت عشرات الشبكات التي كانت تعاني من مستويات مرتفعة من الهدر من تقليص كمية المياه الضائعة.

 

صراع متزايد حول مورد استراتيجي

 

وتتجاوز أزمة المياه مسألة توفير مياه الشرب للسكان، إذ يؤدي تراجع الموارد المائية إلى احتدام المنافسة بين مختلف القطاعات، من الأسر والمزارعين إلى الفنادق والقطاع الصناعي.

 

ومع تزايد فترات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، تصبح مهمة السلطات أكثر تعقيداً في تحديد الأولويات، خصوصاً عندما لا تكفي الموارد المتاحة لتلبية حاجيات جميع المستخدمين.

 

وتكشف تجربة فرنسا أن أزمة المياه لم تعد مرتبطة فقط بالمناطق الجافة، بل أصبحت تمس أيضاً مناطق كانت تُعتبر غنية بالمياه، ما يجعل تحديث شبكات التوزيع، تقليص التسربات وتنويع مصادر الإمداد من أبرز التحديات المطروحة أمام الدول الأوروبية في مواجهة التغيرات المناخية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.