صدى السمارة/السمارة
مع كل اقتراب لموعد انتخابي، تعود إلى الواجهة حملة قديمة متجددة تستهدف الحاج مولاي حمدي ولد الرشيد، وكأن بعض الأصوات لا تجد طريقاً إلى النقاش السياسي إلا عبر بوابة الرجل.
مرة يكون العنوان هو السن، ومرة عدد الولايات البرلمانية، ومرة أخرى تُستخرج مواقف أو وقائع من سياقات مختلفة لتوظيفها في سجال سياسي عابر. وبين هذا وذاك، يتكرر الأسلوب ذاته، وتتكرر معه اللغة ذاتها، في مشهد يوحي بأن استهداف الرجل أصبح بالنسبة إلى البعض موعداً سياسياً موازياً لكل استحقاق انتخابي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل تُقاس التجارب السياسية بعدد المنشورات التي تهاجم أصحابها، أم بما راكمته من حضور وحصيلة وتأثير؟
فالسياسة في نهاية المطاف ليست معركة تدوينات، ولا تُحسم بمن يرفع صوته أكثر على المنصات الرقمية، وإنما بما يقدمه الفاعل السياسي في الميدان، وبمدى قدرته على الحفاظ على ثقة المواطنين.
حين يصبح السن موضوعاً للنقاش
من بين أكثر العناوين تداولاً في الآونة الأخيرة مسألة سن الحاج مولاي حمدي ولد الرشيد، وكأن التقدم في العمر يشكل في حد ذاته مانعاً من ممارسة العمل السياسي.
والحسم في هذه المسألة ينبغي أن يكون قانونياً، لا انطباعياً. فالترشح للانتخابات حق دستوري، والنصوص المنظمة للعملية الانتخابية تحدد شروطاً واضحة للترشح، من بينها سن قانونية دنيا، ولا يجوز اختراع شروط أو موانع غير منصوص عليها في القانون.
أما تقييم أهلية المرشح، فينبغي أن يترك للناخب، الذي يملك وحده سلطة الاختيار بين المرشحين.
فإذا كان الرجل مستوفياً للشروط القانونية، فما جدوى تحويل سنه إلى قضية انتخابية؟
سنوات في البرلمان.. والوقائع لا تحتاج إلى تأويل
أما الحديث عن المسار البرلماني لمولاي حمدي ولد الرشيد، فإن الدقة تقتضي التمييز بين المعطيات الصحيحة والادعاءات المتداولة.
فالرجل انتُخب عضواً بمجلس النواب منذ سنة 2002، ومنذ ذلك التاريخ راكم تجربة سياسية وبرلمانية طويلة.
وإذا كان البعض يريد جعل عدد الولايات معياراً للحكم على السياسي، فالأجدر أن يُطرح السؤال على الجميع دون استثناء: كم ولاية قضاها كل برلماني؟ كم تدخلاً قدم؟ ماذا ترك من أثر؟ وما حجم حضوره في قضايا منطقته؟
عندها فقط يمكن أن يتحول النقاش من حملة تستهدف شخصاً بعينه إلى تقييم سياسي موضوعي يشمل مختلف الفاعلين.
أما اختيار اسم واحد وتحويل مساره السياسي إلى مادة يومية للهجوم، فلا يصنع نقاشاً ديمقراطياً، بل يصنع ضجيجاً إعلامياً لا أكثر.
التاريخ البرلماني المغربي يقدم أمثلة واضحة
والتجربة المغربية نفسها تقدم أمثلة على استمرار شخصيات سياسية في ممارسة مسؤولياتها البرلمانية لعقود.
ويأتي المرحوم عبد الواحد الراضي في مقدمة هذه الأمثلة، إذ ظل عضواً بمجلس النواب منذ أول انتخابات تشريعية سنة 1963 إلى غاية وفاته سنة 2023، عن سن ناهز 88 سنة.
لم يكن طول مساره البرلماني عائقاً أمام ممارسته لمهامه، بل ظل حاضراً داخل المؤسسة التشريعية، وتولى رئاسة مجلس النواب، وواصل أداء أدواره السياسية إلى نهاية مساره.
وهذا المثال وحده كافٍ لإعادة النقاش إلى مكانه الطبيعي: المعيار ليس العمر وحده، وإنما القانون والكفاءة والحضور وإرادة الناخبين.
من النقد السياسي إلى تصفية الحسابات
النقد السياسي حق مشروع، بل هو جزء أساسي من الحياة الديمقراطية، لكن النقد يفقد قيمته حين يتحول إلى تجريح أو تشهير أو انتقائية.
ومن هنا، فإن بعض الخطابات التي تتكرر ضد ولد الرشيد تبدو أحياناً وكأنها لا تبحث عن تقييم موضوعي لمساره بقدر ما تبحث عن صناعة صورة سلبية عنه.
والأغرب أن بعض هذه الحملات تظهر في توقيتات متقاربة، وبالمواضيع نفسها، وكأنها تنتظر فقط اقتراب موعد سياسي مناسب للعودة إلى الواجهة.
وفي مثل هذه الحالات، يصبح من المشروع التساؤل: هل نحن أمام نقاش سياسي حقيقي، أم أمام محاولة للتأثير على الرأي العام باستعمال المنصات الرقمية؟
الحضور الميداني هو الاختبار الحقيقي
ومهما تعددت الحملات، يبقى الميدان هو الاختبار الأصعب.
فالمواطن لا يعيش داخل مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما يعيش في واقعه اليومي، ويرى المشاريع، ويتابع المبادرات، ويعرف المنتخبين، ويكوّن موقفه بناءً على ما يلمسه من نتائج.
ولهذا، فإن محاولة إسقاط أي شخصية سياسية بواسطة تدوينات أو حملات متكررة قد تحقق بعض الضجيج، لكنها لا تستطيع وحدها تغيير قناعة الناخب.
وفي الحالة السياسية لمولاي حمدي ولد الرشيد، يبدو أن استمرار حضوره في المشهد العام هو في حد ذاته أحد أسباب استمرار استهدافه؛ فالشخصيات التي تفقد تأثيرها عادةً لا تحتاج إلى كل هذا الجهد لمهاجمتها.
صندوق الاقتراع هو الحكم
في النهاية، لا السن وحده سيحسم الانتخابات، ولا عدد المقالات والتدوينات، ولا حجم الهجمات الرقمية.
الحسم سيكون في صناديق الاقتراع.
فالناخب هو من يملك حق تقييم التجربة، ومقارنة المرشحين، والحكم على الحصيلة، واختيار من يراه جديراً بتمثيله.
أما الحملات الموسمية، فسرعان ما تنتهي بانتهاء مناسبتها.
ويبقى الفرق كبيراً بين من يكتب عن الواقع، ومن يعمل في الواقع.
وفي السياسة، قد تنجح الحملات في صناعة الضجيج لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تصنع شعبية من فراغ، كما لا تستطيع أن تلغي حصيلة تراكمت عبر سنوات.
ولهذا، فبدل أن يتحول كل استحقاق انتخابي إلى موسم جديد للهجوم على الرجل، ربما يكون من الأجدى أن تتحول المنافسة إلى ما هو أكثر فائدة للمواطن: من يملك البرنامج الأفضل؟ من يملك الحصيلة الأقوى؟ ومن يستطيع أن يقدم للمواطنين ما يستحقونه؟
ذلك هو جوهر المنافسة الديمقراطية، وما عداه يبقى مجرد ضجيج انتخابي عابر.
