Trono 27

أغلبية المنصوري بـ210 مقاعد ومعارضة بـ160 نائباً.. توازنات جديدة ترسم ملامح البرلمان المغربي

0

صدى السمارة –السمارة

تفتح الخريطة السياسية الجديدة داخل مجلس النواب المغربي الباب أمام مرحلة مختلفة من التوازنات البرلمانية، عقب إعلان التجمع الوطني للأحرار انتقاله إلى المعارضة، مقابل تشكل أغلبية حكومية رباعية تضم أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، في تركيبة تمنح التحالف الجديد أغلبية عددية، لكنها تضعه أمام تحدي الحفاظ على الانسجام بين مكوناته.

وتستند الأغلبية الجديدة، وفق المعطيات الواردة، إلى 210 مقاعد من أصل 395، متجاوزة بذلك عتبة الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعداً بـ12 مقعداً، بينما تضم المعارضة، بحسب توزيع المقاعد المعتمد في المعطيات، 160 نائباً، مع وجود 25 نائباً من الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية ضمن موقع المساندة النقدية للحكومة المرتقبة.

وتتوزع مقاعد الأغلبية الرباعية بين حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، وحزب الاستقلال بـ65 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ26 مقعداً، فيما يتوفر حزب التقدم والاشتراكية على 22 مقعداً، بعد انضمام نواب جدد إلى فريقه النيابي.

وتمنح هذه الحصيلة العددية التحالف الجديد قاعدة برلمانية تسمح له بتشكيل الحكومة والتصويت على برنامجها ومشاريع القوانين، غير أن هامش الأغلبية المحدود نسبياً يجعل تماسك مكوناتها والتزام نوابها خلال الجلسات التشريعية عاملاً حاسماً في ضمان استمرار العمل الحكومي دون عراقيل عددية.

الأصالة والمعاصرة يقود الأغلبية والاستقلال شريك أساسي

يحتل حزب الأصالة والمعاصرة موقع الصدارة داخل التحالف الحكومي المرتقب، مستفيداً من رصيده البالغ 97 مقعداً، غير أن قيادة الأغلبية ستظل مرتبطة بقدرته على تدبير علاقته بباقي الشركاء، وفي مقدمتهم حزب الاستقلال الذي يشكل، بمقاعده الـ65، مكوناً أساسياً في المعادلة السياسية الجديدة.

كما يساهم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية بـ48 مقعداً مجتمعين، بما يعزز الحضور السياسي للتحالف، ويطرح في المقابل ضرورة التوفيق بين مرجعيات حزبية وتوجهات برنامجية مختلفة داخل أغلبية واحدة.

وتعيد هذه التركيبة إلى الواجهة أهمية وضع آليات واضحة للتنسيق بين مكونات الحكومة، سواء من خلال ميثاق للأغلبية أو عبر تفاهمات سياسية وتنظيمية تضمن الانسجام في المواقف، خصوصاً خلال مناقشة القوانين ذات الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمالية.

وتبدو هذه المهمة أكثر أهمية عند مقارنة الأغلبية الجديدة بالتحالف الحكومي السابق، الذي ضم التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، وكان يتوفر على 270 مقعداً، وهو ما منح حكومة عزيز أخنوش هامشاً عددياً أوسع داخل المؤسسة التشريعية.

الأحرار ينتقلون إلى المعارضة والعدالة والتنمية يستعيد حضوره

يشكل انتقال التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة أحد أبرز التحولات التي تعرفها الخريطة البرلمانية الجديدة، بعدما انتقل الحزب من قيادة الحكومة إلى موقع المساءلة والرقابة، برصيد يبلغ 66 مقعداً، مقابل 102 مقعد خلال انتخابات سنة 2021.

ويمثل هذا التحول اختباراً سياسياً للحزب، الذي سيكون مطالباً بإعادة ترتيب أولوياته وتطوير أدوات اشتغاله داخل البرلمان، والانتقال من الدفاع عن الحصيلة الحكومية إلى مراقبة أداء السلطة التنفيذية ومناقشة اختياراتها.

وكان رئيس الحزب محمد شوكي قد اعتبر، في تصريح نقلته هسبريس، أن الانتقال إلى المعارضة يشكل امتداداً طبيعياً للممارسة الديمقراطية، وفرصة لمواصلة الإسهام في الحياة السياسية والمؤسساتية من موقع مختلف.

وفي المقابل، يعود حزب العدالة والتنمية إلى المؤسسة التشريعية بـ54 مقعداً، بعدما كان يتوفر على 13 مقعداً فقط خلال انتخابات 2021، ما يعزز حضوره داخل المعارضة ويمنحه موقعاً متقدماً في مراقبة العمل الحكومي.

وتضم المعارضة كذلك حزب الحركة الشعبية بـ29 مقعداً، وتحالف اليسار بـ8 مقاعد، إلى جانب مكونات ونواب آخرين، وفق المعطيات المقدمة، وهو ما يجعل قدرتها على التنسيق وتوحيد المبادرات عاملاً أساسياً في تحديد حجم تأثيرها السياسي والرقابي.

ورغم تعدد مكوناتها، لا تبدو المعارضة كتلة متجانسة بالضرورة، بالنظر إلى اختلاف مرجعيات الأحزاب وتوجهاتها وبرامجها، الأمر الذي قد يجعل التنسيق بينها مرتبطاً بطبيعة الملفات المطروحة ومدى تقاطع مواقفها بشأنها.

المساندة النقدية تعزز هامش الحكومة

إلى جانب المقاعد التي تتوفر عليها أحزاب الأغلبية الأربعة، تبرز المساندة النقدية التي أعلنها الفريق النيابي المشترك للاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية، والذي يضم 25 نائباً، باعتبارها عاملاً يمكن أن يعزز قدرة الحكومة المرتقبة على تمرير عدد من النصوص التشريعية.

وتشير المعطيات الانتخابية إلى حصول حزب الاتحاد الدستوري على 17 مقعداً، مقابل 8 مقاعد للحركة الديمقراطية الاجتماعية، مع الإشارة إلى أن المساندة النقدية لا تعني بالضرورة التزاماً موحداً بالتصويت على جميع القوانين والمبادرات الحكومية.

وإذا استمر هذا الدعم خلال الولاية الجديدة، فقد يرتفع مجموع الأصوات التي يمكن أن تستند إليها الحكومة في بعض الاستحقاقات البرلمانية إلى 235 صوتاً، بما يوفر لها هامشاً إضافياً يتجاوز العدد الذي يضمنه التحالف الرباعي وحده.

غير أن تحويل هذا الدعم إلى قوة تصويتية فعلية سيظل رهيناً بمواقف الفريقين من الملفات المعروضة، وطبيعة التفاهمات السياسية التي ستؤطر علاقتهما بالأغلبية الحكومية.

ملتمس الرقابة.. المعارضة تتجاوز عتبة التوقيعات

تمنح الأرقام الجديدة مكونات المعارضة إمكانية اللجوء إلى عدد من الآليات الدستورية لمراقبة الحكومة، وفي مقدمتها ملتمس الرقابة المنصوص عليه في الفصل 105 من الدستور المغربي.

ويشترط تقديم ملتمس الرقابة توقيع خُمس أعضاء مجلس النواب على الأقل، أي 79 نائباً من أصل 395، بينما تتطلب المصادقة عليه الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس، أي 198 صوتاً، وفق الشروط والإجراءات الدستورية المنظمة لهذه الآلية.

وباحتساب 160 مقعداً للمعارضة، فإنها تتجاوز النصاب المطلوب لتقديم الملتمس، لكنها تظل بحاجة إلى 38 صوتاً إضافياً لبلوغ عتبة المصادقة عليه، وهو ما يجعل إسقاط الحكومة عبر هذه الآلية أمراً يتطلب استقطاب دعم من خارج مكونات المعارضة.

ويبرز هذا المعطى الفارق بين القدرة على إطلاق مبادرة رقابية وبين ضمان نجاحها، إذ لا يكفي توفر العدد القانوني للتوقيعات من أجل تحويل الملتمس إلى أداة فعلية لإنهاء الولاية الحكومية.

كما أن اللجوء إلى هذه الآلية يظل مرتبطاً بتقدير الفرق البرلمانية لجدواها السياسية، ومدى قدرتها على تنسيق المواقف حول مضمونها وتوقيتها، فضلاً عن إمكانية إحداثها تأثيراً ملموساً في النقاش العمومي.

لجان تقصي الحقائق.. ورقة رقابية إضافية

إلى جانب ملتمس الرقابة، تتيح لجان تقصي الحقائق مجالاً آخر أمام المعارضة لتعزيز حضورها داخل المؤسسة التشريعية، من خلال فتح ملفات محددة وجمع المعطيات بشأنها، وفق الضوابط الدستورية والقانونية.

وينص الفصل 67 من الدستور على إمكانية إحداث لجان نيابية لتقصي الحقائق، فيما يتطلب طلب تشكيل لجنة بمجلس النواب توفر توقيع ثلث الأعضاء، أي 132 نائباً على الأقل، مع مراعاة الشروط والقيود القانونية ذات الصلة.

وبالنظر إلى توفر المعارضة على 160 مقعداً وفق المعطيات الواردة، فإنها تستطيع تجاوز هذا النصاب بفارق 28 نائباً، وهو ما يتيح لها من حيث العدد إمكانية إطلاق مبادرات لتقصي الحقائق دون الحاجة إلى بلوغ الأغلبية المطلقة المطلوبة للمصادقة على ملتمس الرقابة.

لكن النجاح في تفعيل هذه الآلية لا يتوقف على العدد وحده، بل يرتبط كذلك باختيار ملفات ذات أهمية عامة، وتنسيق المواقف بين الفرق البرلمانية، والقدرة على جمع المعطيات وإعداد تقارير تفضي إلى مساءلة سياسية ومؤسساتية واضحة.

وقد شكل ملف الدعم الموجه إلى قطاع المواشي، خلال الولاية السابقة، مثالاً على إمكانية تقاطع مواقف بعض الفرق بشأن مبادرات رقابية محددة، حتى عندما تكون هذه الفرق مختلفة في انتماءاتها السياسية.

اختبار الأغلبية والمعارضة في الولاية الجديدة

تؤشر الخريطة البرلمانية الجديدة إلى مرحلة تتقدم فيها الأغلبية عددياً، مقابل معارضة تتوفر على هامش مهم للتحرك الرقابي، لكنها مطالبة بتجاوز التباينات السياسية والتنظيمية بين مكوناتها.

فالأغلبية الرباعية ستكون مطالبة بالحفاظ على تماسكها وضمان انتظام التصويت على المشاريع الحكومية، في حين سيكون على المعارضة إثبات قدرتها على تحويل تعدد مكوناتها إلى تنسيق عملي ومبادرات مشتركة بشأن الملفات ذات الأولوية.

وبين قوة العدد وحدود التنسيق، ستتحدد ملامح الأداء البرلماني خلال الولاية المقبلة، حيث لن يكون الرهان مقتصراً على تمرير القوانين، بل سيمتد إلى جودة النقاش التشريعي، وفعالية الرقابة، ومدى قدرة مختلف الفرق على الدفاع عن اختياراتها أمام الرأي العام.

وبذلك، تبدو الأغلبية الجديدة أمام اختبار تدبير تحالف متعدد المرجعيات بهامش عددي أضيق من سابقتها، بينما تواجه المعارضة تحدي بناء تأثير مؤسساتي يتجاوز مجرد تجميع المقاعد، ويحول إمكاناتها الدستورية إلى ممارسة سياسية ورقابية فعالة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.